يوسف المرعشلي
93
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
المجمع العلمي العربي « 1 » ، وقد خدم هذه المجامع والمجالس خدمات جليلة ، وأحسن إلى مجمع دمشق أنواع الإحسان بمقالاته وأبحاثه التي نشرها في مجلته ، وبإهدائه أمهات من المخطوطات المصورة ، وبمنحه مجموعة نفيسة جدا من النقود الذهبية والفضية والنحاسية والزجاجية انتهت إليه من جده وأبيه ، وهي اليوم في متحف عاصمة الشام ، تنادي بلسان الحال أن أحمد تيمور كان يعطف على كل بلد عربي عطفه على مصر . وما أنشئت خزانة كتب في بلاد الشرق إلا كانت هدايا أحمد تيمور إليها أسبق الهدايا ، وتنشيطه للقائمين بها أبلغ تنشيط . قلنا إنه كان عزوفا عن الناس ، يؤثر العزلة ، وكان يود لو مكّنته أعماله في القاهرة من الانقطاع إلى مزرعته في قويسنا ، يأنس بجانب خزانته ، ويستخرج فوائدها لقومه . ثم إن هذا كان من الصعب عليه أيضا ، لأنه كان على عزوفه ألوفا يألف من تربطه بهم وحدة الفكر ووحدة الروح . كتب إليّ في رجب 1338 ه يقول : « وقد كان سيدنا وأستاذنا الشيخ طاهر الجزائري رحمه اللّه ورضي عنه مفزعي الوحيد عندما أكون في القاهرة ، فشاء القدر أن يفجعنا به ولا يبقي لنا من تلك الأيام إلا الذكرى المؤلمة والأسف المتواصل . حالنا يا سيدي الأخ عجيب غريب في هذا التطور الجديد ، فقد أصبحت العامة والخاصة ، الجهال والعلماء في مستوى واحد من الآراء . ونعمت - واللّه - الحالة لولا أنه عمل صالح مرفوع إلى أسفل ، ونتيجة منطقية تابعة للأخس من المقدمين ، فقل لي ، بعيشك ، أي أنس في الاجتماع ، وأية لذة في المخالطة ، وقد أصبح من المتحتم على المرء قبول كل ما يقال على تغيره وتناقضه كل يوم ، وإلا فالويل له ثم الويل ، ولهذا تراني في أكثر أوقاتي جانحا إلى وحدتي بقويسنا ، مكتفيا بمنادمة كتبي . . . » . وكتب في رسالة : « أما الأحوال العامة فسيدي عالم بها من الجرائد الضالة المضلة ، والمصير مجهول ، واللّه لطيف بعباده » . ولما أنشىء المجمع اللغوي الأول في مصر ، وانضم إلى أعضائه كتب : « إنه انضم إليه من هبّ ودبّ ، وإنه أميل إلى التشاؤم بعد أن سمع اقتراحات بعضهم بضم أشخاص اشتهروا بانتصارهم للعجمة ، وفتح الصدر لكل دخيل » . هذه صورة صغيرة من منازع أحمد تيمور وأخلاقه . بقي علينا أن نلمّ إلمامة خفيفة بتآليفه ، وبها تتبيّن صورة علمه وأدبه . فأهم ما كتب : « معجم الألفاظ العامية المصرية » بيّن فيه أصول تلك الألفاظ واشتقاقها وما يرادفها من الفصيح ، وهو من أفيد التآليف ، يدل على تبحّر مترجمنا في اللغة ، وعلى بعد غوره في فنونها . وهو لم يطبع . ومن تآليفه المطبوعة : « تصحيح أغلاط القاموس المحيط » و « تصحيح أغلاط لسان العرب » وهي رسائل تدل على دؤوبه وعبقريته ومعرفته الواسعة باللغة . هي بضع رسائل . وتعد من أهم الكتب ، وقيمة التآليف بفائدتها وإمتاعها لا بطولها وعرضها وثقل حجمها وكثرة أوراقها . ومن رسائله المطبوعة : « رسالة في اليزيدية » . وأخرى « في حدوث المذاهب الأربعة » . وثالثة : « في العلم العثماني » . ورابعة : « في قبر السيوطي » . وخامسة : « في أبي العلاء المعري وعقيدته » . وسادسة : « في الحلقة المفقودة في تاريخ مصر » . وسابعة : « في الألقاب والرتب » وغير ذلك . ومما لم يطبع ، أو طبع في إحدى المجلات العلمية « طبقات المهندسين » « 2 » ألفه باقتراحي - الكلام للزركلي - من إجابة لرجائي ، وكنت آسف أن تضيع تراجم أولئك العظماء الذين خلّفوا لنا هذه المصانع والعاديّات ، وما رأيت أقدر من أحمد تيمور على وضع كتاب في سيرهم . ومن رسائله : « التصوير عند العرب » ، و « الأمثال العامية » ، وهي خمسة آلاف مثل عامي ، ولعب العرب ،
--> ( 1 ) بدمشق . ( 2 ) نشر أكثره في مجلة ( الهندسة ) بمصر . ثم زاد فيه وأفرده في جزء لطيف طبع بعد وفاته بمصر سنة 1957 بعنوان ( أعلام المهندسين في الإسلام ) .